تـرويـــض الـعــــــيــن

أحـمـد مـغـربـي

يفتح مشهد الحطام في نيويورك وبيروت مدخلاً الى اسئلة أولية في الثقافة البصرية: هل العيون ترى؟ ما الذي تراه؟ما علاقة من يرى بما يرى؟ وما علاقة الصورة التي "تدل" بما "تدل اليه"؟ سؤال عن الدال والمدلول.



الحديث عن صور التلفزيون، يفتح النقاش حول الثقافة البصرية وتقنياتها. لعل من المجدي القول ان السنوات الاخيرة شهدت نقداً مديداً لثقافة البصر، ترافق مع الصعود المذهل للتلفزيون ولاحقاً الكومبيوتر. واذ تميل هاتان الأداتان الى الاندماج، تبدو الثقافة كأنها تتحضر لانتقال نوعي مرهب. وفي العودة الى نيويورك تبدو تلك المدينة بالذات كأنها "حاضنة" هذا الانتقال، ويمكن تلمس بعض اماكن هذا الاحتضان، ومن أمثلته التناسل المتواصل لمشاهد الغبار والحطام وانهيار الابراج وضرب الطائرات، مما يعتبر نموذجاً لقدرة الصور على التحول الى مزيج من دراما تلفزيونية و(أيقونات). ويشهد لتلك القدرة حربها التي ميزتها لغة المَشاهد، وشرائط الفيديو، والمراسل التلفزيوني الحربي، وصراع شبكات التلفزة ("سي ان ان" و"الجزيرة")، وتلفون - الفيديو، وكلها من مفردات قاموس البصر. وتناسلت شاشات نيويورك غباراً مذهلاً في أفغانستان وجبالها وقراها. ولم يضارع مشهدية غبار البرجين المنهارين الا مناظر غبار قصف قنابل "دايزي كاترز" وأطنان "قصف السجادة" من طائرات "بي- 52" وغيرها. ومن الامثلة، ان البرجين مقر عدد من شركات الكومبيوتر والمعلوماتية والاتصالات، وهي في القلب من ثقافة البصر، بل تصنع شكلاً ما يحمل تهديداً مبطناً للاشكال الاخرى من التعبير.

ولعل التعبير الاكثف عن كون نيويورك عاصمة ثقافة البصر الحديث، جاء في تصويتها على انتخاب ميشال بلومبرغ أول عمدة لها في القرن الحادي والعشرين. كأنه تصويت للمشهد، بل لصورته التقنية الأحدث والأعلى. والحال ان بلومبرغ هو صاحب شبكة التلفزة العالمية التي تحمل اسمه. ولد بلومبرغ في عام ،1942 وشغف سريعاً بالالكترونيات والتجارة. وفي العام ،1982 اسس المضارب السابق في سوق "وول ستريت" شركة معلوماتية متخصصة في معاملات الاسواق المالية واسهمها. وفي العام ،1990 تحولت تلك الشركة محطة اعلام متلفز، تميزت شاشتها بالدأب على ادخال النصوص والارقام في شكل ثابت الى البث. ولعلها رائدة شاشات التلفزة في تقليد شبكة الانترنت. ولاحقاً، برزت مسألة لا تخلو من دلالة، اذ أدت الحرب التي اندلعت من نيويورك الى تبني عدد من شاشات " سي ان ان" و"ان بي سي" و"سي ان بي سي" شكل شاشات قريبة من شاشة الانترنت. وباتت نصوص الكلام ملحقاً متواضعاً وصغيراً للصورة، وحرفياً.



مستقبل ما بعد الالفبائية!

اذاً، تتصل ثقافة نيويورك مباشرة بالتقنيات الاحدث، اي الكومبيوتر والتقنية الرقمية، وهذه تحمل التهديد الاقوى في تسييد الصور. وعلى وجه الاجمال، يمكن القول ان العالم الافتراضي للكومبيوتر والشبكات بدا دوماً "ما بعد ألفبائي". ولم تتلاءم تقنية غوتنبرغ وتاريخها الذي ما زال مستمراً، مع الصور المرسلة في سرعة الضوء. هل هو إيذان بانطلاق "حضارة الصور"، على نحو ما كانه امر الكتابة بالاحرف التي بدأت منذ ابجدية "جبيل" العريقة؟ ثمة مثال يعبّر عن ذلك، في طريقة فائقة العملانية. فقد، "اتفق" مهندسو العالم الافتراضي في شركات المعلوماتية، من "زيروكس" الى "بارك"، وتعاونوا لانشاء تجهيز خلاق اسمه "تجارب في مستقبل القراءة" Experiments in the Future of Reading ، في معرض سان جوزيه للتقنية (كاليفورنيا). ان لهذا الخلق هدفا عملياً تماماً، هو صنع سلع للمستهلك في "مجتمع ما بعد الالفبائية". الشاشات التي تعمل باللمس ملأى بالكلمات وبالنصوص، التي تنتقل في اي لحظة من قصة الى قصة اخرى. تكفي ضربة من كلمة واحدة لنقل السياق الى نص مختلف كلياً. وفي طريقة مشابهة، تطفو مقاطع كتابة قابلة لان يعاد تشكيلها في أقصوصة جديدة. ومثلها ايضاً قصص صغيرة تنضاف الى بعضها لتعطي سياق حكاية جديدة. وعلى الطاولات اللامعة، هنالك الاحجيات الالكترونية التي لا يمكن حلها الا بإمالة الطاولة، فيزيائياً وحرفياً، وهزها الى الامام والخلف، تماماً كما يحصل في ألعاب الفليبرز. عند ذاك تظهر الاحرف وتتدحرج لتلتقي في مجموعات جديدة دوماً. هذا النوع من "الكتابة اليدوية"، حيث الايدي تهز الطاولة وتصنع الكتابة، هي رسوم اهل الكهف الالكتروني المعاصر. وبحسب تعبير الانّاس الاميركي ارثر كروجر، فذلك المشهد هو تمزيق للالفبائية، كما عرفها التاريخ، وانتقال الى الكتابة بالعين.

واذا استعرنا تعبير ميشال كون عن الثورة العلمية باعتبارها "انتقالاً نوعياً في النموذج" Paradigm، فإن ذلك التجهيز مقدمة النموذج الجديد من "الكتابة الالكترونية" التي تسعى بدأب الى نسف ما قبلها من كتابة بالكلام. ويُرى النموذج في تجهيز XFR عبر الاحرف التي تبرز الى
السطح المنير كزبد يغلي، وتبحث عن السلسلة المفقودة بين الدال والمدلول. وتكتشف الكلمات انها متروكة لأمر ذاتها في سيولة كريستال الشاشات الالكترونية، ولا تصل الى مرحلة "التعبير" الا بوصفها عبور الضوء أو الصوت أو العين. تنزلق الكلمات صعوداً ونزولاً، وتتزاوج مع بعضها، وتغيّر اشكالها أحياناً في طفرات مفاجئة، مما يخلق معنى رقمياً جديداً. هذه الكلمات الالكترونية يصنعها البيكسل، وضوء الشاشة، والصوت. ولعل اكثر ما تحتاج اليه هذه اللغة هو العين التي لا تنفك شركات الكومبيوتر تدرّبها يومياً عبر صور الايقونات الالكترونية Icons باعتبارها لغة مناخ برامج المعلوماتية. وتمتلىء كل البرامج بالايقونات المنزوعة الصلة بالدين، والبلا قدسية، لكنها ليست من غير قمع كاف، فهي تملك سلطة لا تقاوم بالنسبة الى الجمهور العام، خصوصاً جمهور الكومبيوتر.

ويمكن استعادة نقد الأنّاس الفرنسي جان بودريار للتصوير الفوتوغرافي بما هو "كتابة ضوء"، والذي أورده في مقال بعنوان "فوتوغرافيا: الكتابة بالضوء". وفي المقال، يتحدث بودريار عن علاقة نفسية بين الصورة وموضوعها. ومن دون رغبة في استعادة النقاش الممتع عن تلك العلاقة، يمكن الاكتفاء بتساؤله عن اسقاط نفسي متبادل يؤدي دوره في علاقة الجمهور مع الصور. ويتساءل عن امكان وجود "نقلة مضادة" في هذه العلاقة، اي انه سؤال عن الآليات النفسية التي تؤدي الى ترويض الاعين؟ هناك حال من السلبية لدى الجمهور، ويؤدي الترويض الى ذهول العقول بالصور، وقبولها بما تحمله من مضامين واملاءات.

أياً يكن الرأي عن نقد بودريار، فإن شركات المعلوماتية تعوّدت ان تعطي صوراً ايقونية لها قوة تؤدي الى نوع من الاذعان. ولنأخذ "أمر الانتظار" في برامج الكومبيوتر، فسواء ظهرت ساعة رمل "مايكروسوفت" أو ساعة يد"اي ماك" أو صورة قرد "لينوكس"، فإن الانتظار هو ما تشير اليه كل ايقونة بقوة. ههنا لا يجد نقد الصورة مكاناً مناسباً، فالكومبيوترات شهيرة بإعطاء مساحة واسعة للفردية، مثل اعطائها خيار "التخصيص" أو "الشخصنة". لكنها محض مساحة زئبقية، اي انها مخادعة تماماً. فليس المهم غياب النمط الواحد، بل الاهم وجود الاتجاه نفسه دائماً. في هذه الحال، يؤدي الاحترام الظاهري للذائقة الفردية دور العنصر الميسر والمساعد لقبول رمزية الصورة وقمعها.

يجب عدم الاستهانة بقوة الايقونات الحديثة، ولنأخذ مثالاً حالات الوفيات الخمس من الانثراكس. لقد بثت صور الضحايا مراراً وتكراراً، مع برامج مناسبة للفت الجموع الى الخطر المحدق. وعلى نحو تدريجي، ساعد الهلع العام في تحول صورهم الى ايقونات. ولم يذهب الجهد إهداراً، على الأقل من وجهة نظر الشركات! وساعدت ايقونات الاشخاص الخمسة في ابرام عقود ببليوني دولار عن لقاح الانثراكس، اضافة الى مضاعفة متواصلة لمئات الدولارات التي خصصت أصلاً لشراء دواء "سيبرو" الشهير.

وتصلح هجمة الانثراكس نموذجاً من صراع الميديا في القرن .21 لقد استفاد المهاجمون من مزيج الميديا وأساليب عمل بيروقراطية في أجهزة الحكومة الاميركية، لكي يشنوا حرباً أعلامية غيّرت سيكولوجيا "الحياة اليومية للانسان العادي" في الولايات المتحدة. ومع ذلك، فإن هذا التغيير تم باستعمال مباشر للرمزية، ومن دون حرب وخسائر. ولم تفلح الارقام في أن "تعقل" الامور. ويموت كل سنة في اميركا 60 ألفاً بمرض ذات الرئة "بنيمونيا" وفيروس الانفلونزا، و40 ألفاً في حوادث السيارات، و30 ألفاً في الانتحار. لكن خمس حالات خلقت ذعراً لا يضارع من "الارهاب البيولوجي". انها صورة ستتكرر مراراً في مشاهد الحرب العسكرية في افغانستان، ومع غياب النمط الواحد، وبالتشديد على الاتجاه العام، أي بالاستفادة من تجربة قوة ايقونات الكومبيوتر. وعلى سبيل المثال، سُمح بالاعلان عن الموت الاميركي، لكنه ظل حكراً على مشاهد الجنازات. لم تظهر مشاهد فيها اي عذاب او تشوه، لأي جندي اميركي. انها الحياة الكاملة الامن، ويجب استعادة هذا الاحساس بأي ثمن.

والارجح ان الرمزية الايقونية لعبت لعبتها القصوى، كأنها لعبة مرايا متعاكسة، فاستعملت الحكومة الذعر الرمزي، الذي اتكل عليه ارهابيو الانثراكس والطائرات، لكي تخلق أحساساً خاصاً. وفي ظل الترهيب العام، والانذار بانعدام الامن الكامل، قبل جمهور جرى تخديره من الاعين صعود الدولة البوليسية التي يتطلبها الجميع. وبرر القمع الرمزي للانثراكس القمع الرمزي للحياة الخاصة وحقوق الفرد، في يسر ربما بدا مستهجناً في بلد مثل اميركا. واطيح احد الرموز القليلة الباقية من مشروع العقلانية الغربية الذي تُرجم في السياسة بالديموقراطية وتجربتها المديدة

عن موقع النهار